حوار خاص مع الكاتب والروائي التونسي ” فتحي بن معمر”

الحداثة بما هي تجدّد مستمر وقيم متحوّلة من أجل تطوّر مفترض

0 363

الكاتب فتحي بن معمر في أسطر إذا امكن…؟

رجل من عموم الشّعب. ابن جزيرة جرية من قرية شاطئية هادئة وجميلة
هي قرية في أقصى جنوب غرب جزيرة جربة. أمازيغي اللسان كلغة أم. أستاذ
لغة عربة وباحث في الحضارة واللغات حاصر على درجة الدكتوراه. مهووس بالقراءة
والكتابة مهتم بكل ما يهم وطنه. يبحث ككلّ الصّادقين في أوطاننا الحبيبة عن أنجع السّبل
للتقدّم والنّهوض ويحاول أن يفيد بما يستطيع.

هل كان للبيئة التي عشت فيها أثرا فيما تكتب…؟

طبعا، مرابع طفولتنا تشكّل شخصياتنا وهويّتنا. نحن أبناء بيتنا. عشت في قرية أمازيغية
هادئة بعادتها وتقاليدها، بحكاياتها وعوالمها الخرافية. وما زلت إلى حدّ الآن أستعيد أصوات
بعض العجائز والشّيوخ وهنّ يحكين أو وهم يحكون في ليال صيفية مقمرة أو في ليال
شتائية كالحة الظلام. ثمّ تدرّجت في محاولة اكتشاف هذا الموروث الذي عايشته وسكنني.
فبدأت رحلة البحث عن اللغة، عن العادات، عن التقاليد. فكانت مجال بحثي في اللغة
والحضارة الأمازيغية. كما حضرت كل هذه العناصر والتفاصيل في كلّ ما كتبت. شعرا
وقصة وحكاية ورواية باللغتين الأمازيغية والعربية. بلغة أبسط: أنا في حياتي وفي كتاباتي
ذاك الطّفل الذي كنتُه في قرية الفاهمين الرائعة، ذاك الطفل الي يركض عند مقام سيدي
ياتي على شاطئ البحر الرائع في ليال حليبي القمر.

في نظرك ما معنى الحداثة في ظلّ العولمة…؟

أودّ أن أطرح سؤالا قبل الإجابة: هل يمكن أن نتصوّر حداثة دون جذور أصيلة…؟ وأظن أنّ
الإجابة تكمن في السؤال نفسه في ظلّ العولمة أو قبلها أو أثنائها أو بعدها. الحداثة بما هي
تجدّد مستمر وقيم متحوّلة من أجل تطوّر مفترض وتقدّم مأمول هي في الأصل ما ينشده
الإنسان في كلّ زمان ومكان وأكاد أجزم أنّه لكلّ زمان حداثته. والعولمة بما هي أيضا قيم
كونيّة وبشائر لخير العالم والإنسان كما تقدّمها القوى العظمى تسعى إلى صهر الإنسان فردا
وجماعة وشعوبا في مقولات وقيم هولامية في ظلّ القرية الكونية بدعوى الحداثة والتقدّم.
غير أنّ هذه العولمة تطمس الخصوصيات والهويّات الوطنية والمحلية كما أن الحداثة تظلّ
مزعومة منبتة ما لم تنشأ عن رؤى فلسفية وفكرية عميقة تنبجس من الأصول وتستفيد من
الحداثة وتستشرف حداثة وطنية أصيلة أنجع وأفيد. فلا عولمة ولا حداثة دون أصالة. من لا
ماضي له لا مستقبل له. والشعوب التي ليست لها سرديات تصطنعها. فكيف لا ننطلق من
سردياتنا ونحن نمتلك أروعها وأغناها وأثراها؟

كيف ترى واقع الكتاب في الوطن العربي و التطور التكنولوجي ؟

وضعية الكتاب أعتقد أنّها حرجة بطبعها في الوطن العربي. وأظنّ السؤال الأصلي هل أثرّ
الطوّر التكنولوجي على مستوى القراءة ومعدّلاتها؟ والأصل أن يؤثّر التطوّر التكنولوجي
إيجابا على مستوى القراءة سواء من حيث صناعة الكتاب وترويجه أو من حيث سرعة
انتشار ما يكتب ووصوله إلى أقصى ما يمكن من القرّاء. لكن للأسف الشّديد نسب القراءة
عندنا هي الأدنى في العالم. وأظّن أنّ الأمر لا يعود فقط إلى التطوّر التكنولوجي بل يعود
بالأساس إلى طبيعة مجتمعاتنا التي لا تحفل بالمعرفة وإلى طبيعة مناهجنا التّربويّة التي لم
تستطع أن تكرّس القراءة والمطالعة كممارسة يوميّة طقوسية لبناء الفرد ورقيّ المجتمع.
انظر مكانة المطالعة في مناهجنا التربوية تجد الإجابة وقف على تعاسة الطّرق والوسائل
والأساليب المستعملة في تعلّمية المطالعة لتدرك سبب تدنّي القراءة وسبب أزمة الكتاب وكلّ
المحامل الجادة التي يمكن أن تفيد في البناء والتأسيس. إنّنا للأسف نحفل بالقشور والبهرج
والسّهل والسّريع والعديم الجدوى.

رأينا في كتابتك  تولي اهتماما للمكان دون الزمان لماذا؟

المكان أصل الإنسان ومردّه، وفيه ومنه وإليه يُنشئ الفرد سرديته الذاتيّة وسرديته الجماعية
على خطّ الزّمن. فمن المكان نعرج إلى مقامات الفعل عبر خطوط زمانية متوازية
ومتقاطعة، نكرّ معها ونفرّ في حركة رواح وغدوّ بين المكان والمكان عبر الزّمن. نعم
للمكان مكانة عظمى ولكن لا قيمة له دون زمان نفعل فيه ونؤسّس ونتطوّر ونطوّر. الأمكنة
منطلقات والأزمنة مضامير للحركة والفعل والتأثير.

بالنسبة للأمّة العربية والمغاربية هل تعاني من أزمة فكر ومادور المنظومة التربوية دور في
نماء الفكر أومن عدمه…؟

دون شكّ، الأمّة تعاني أزمة فكر وأزمات هيكلية عميقة وهي سبب تخلّفها وتردّدها. ودون
شكّ للمناهج التربوية دور في ذلك وإلاّ لمَ تهتمّ الأمم بالتربية والمناهج التربوية وتسعى من
حين إلى آخر إلى تجويدها من أجل نتائج أنجع. للأسف الشّديد أنّ ما بعض ما نناقشه اليوم
في بلداننا في مجالات التربية والتّعليم كانت دول أخرى قد ناقشته خلال القرن 16 و17
وحسمت فيه فخرّجت مدارسها وما زالت تخرّج أناسا فاعلين نافعين. بينما نحن كأنّنا قنعنا
بأن تخرّج مدارسنا بعض النّوابغ الذين تختطفهم الدّول العظمى، وكثير ممن يصلحون
للتنفيذ ولا يرقون إلى مصاف الإبداع، وملايين ممن علّمناهم لنتّقي شرّ إجرامهم المحتمل لا
غير. ولذلك نرتكس في الجهل والجريمة والهجرة غير الشّرعية والتطرّف والتعصّب يمينا
ويسارا.

هل حاولت أن تخوض في مجال الترجمة…؟

الترجمة باب من أبواب العلم والتّواصل الحضاري. آخر كتاب لي أصدرته بلغتين، صفحة
بصفحة، صفحة باللغة الأمازغية تقابلها صفحة بالعربية. وهو عبارة عن 10 حكايات
أمازيغية في الأصل أعَدْتُ صياغتها بالأمازيغة ثمّ ترجمتها إلى العربية مع هوامش
ومقدّمات وملف صوتي للحكايات بصوتي. والكتاب بعنوان حكايات أمازيغية من جربة
كما ترجمت بعض النّصوص من الفرنسة وقمت بترجمة بعض النّصوص من الكتاب
المقدّس وبعض الحكايات من وإلى العربية وفصلا من كتاب حول المطالعة وغيرها ممّا لا
أستحضر الآن.

لاحظنا أن هوس البحث عن ماهية الهوية غالب على كتاباتك بم تفسّر ذلك…؟

من الأشياء التي تثير حفيظتي وتقلقني جدّا مسألة الالتباس الهُويَّاتي. المواطن المغاربي
اليوم في كثير من الأحيان لا يحسم بينه وبين نفسه أمر هويّته. فهل سأل أحدنا نفسه ما
معنى أن يكون جزائريا أو تونسيا مثلا؟ أنا أعتقد أنّه لن نستطيع أن نتقدّم ما لم نحسم مسألة
الهوية بشكل شخصي أوّلا. فالوعي بالهويّة هو بالأساس مصالحة مع الذّات واعتزاز بها
وهي وعي بالاختلاف وبقبول الآخر. لذلك اعتز بعناصر هويّتي وأبرزها.

متى نرى  السيرته الذاتية للكاتب فتحي بن معمر؟

الإنسان ما دام حيّا فهو خطّ سيرته الذاتيّة بالقلم وبالفعل. فهو يكتب سيرته ويوقّع وجوده في
هذه الرّقعة وفي هذا الزمن بما ينجز. أما تصدر تلك السيرة فذاك أمر لا أملك له جوابا
الآن. وكم أفضّل أن تتحدّث إنجازاتك عنك.

مشاريعك المستقبلية في عجالة

كثيرة هي الأحلام والمشاريع. قريبا سأصدر أطروحة الدّكتوراه التي ناقشتها بعنوان أصل
فكرة الشّر من خلال كتاب أخنوخ وتجلّياتها في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام وسيصدر لي
قريبا كتاب حول الشأن الأمازيغي في تونس ورواية تحت الطّبع ومجموعة قصصية
مشتركة مع الروائية والقاصّة جميلة الشرّيف. وهناك اشتغال على دراسات وأعمال إبداعية
أخرى

تعليقات
تحميل...